محمد الغزالي
48
خلق المسلم
فعن أبي ذر قال : « قلت : يا رسول اللّه ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على منكبي ، ثم قال : يا أبا ذر ، إنك ضعيف ، وإنها أمانة . وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها » « 1 » . إن الكفاية العلمية أو العملية ليست لازمة لصلاح النفس ، فقد يكون الرجل رضي السيرة ، حسن الإيمان . ولكنه لا يحمل من المؤهلات المنشودة ما يجعله منتجا في وظيفة معينة . ألا ترى إلى يوسف الصديق . إنه لم يرشح نفسه لإدارة شؤون المال بنبوته وتقواه فحسب ، بل بحفظه وعلمه أيضا اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ « 2 » . وأبو ذر لما طلب الولاية لم يره الرسول جلدا لها فحذره منها . والأمانة تقضي بأن نصطفي للأعمال أحسن الناس قياما بها ، فإذا ملنا عنه إلى غيره - لهوى أو رشوة أو قرابة - فقد ارتكبنا - بتنحية القادر وتولية العاجز - خيانة فادحة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من استعمل رجلا على عصابة وفيهم من هو أرضى للّه منه ، فقد خان اللّه ورسوله والمؤمنين » « 3 » . وعن يزيد بن أبي سفيان قال : قال لي أبو بكر الصديق حين بعثني إلى الشام : يا يزيد ، إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة ، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ما قال رسول اللّه : « من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمّر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة اللّه لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم » « 4 » . والأمّة التي لا أمانة فيها ، هي الأمة التي تعبث فيها الشفاعات بالمصالح المقررة ، وتطيش بأقدار الرجال الأكفاء ، لتهملهم وتقدم من دونهم . وقد أرشدت السنة إلى أن هذا من مظاهر الفساد ، الذي سوف يقع آخر الزمان .
--> ( 1 ) مسلم . ( 2 ) يوسف : 55 . ( 3 ) الحاكم . ( 4 ) الحاكم .